نخبة من الأكاديميين

393

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

الديني " المتلازمة والحامية لشعبة الاستبداد السياسي . والملفت للنظر تلاقي هذا الخط مع خط الكواكبي رضا في اعتبار الشوروية صنواً للديمقراطية . يقول النائيني : " ما أشد جهلنا عبدة الظالمين وحاملي شعبة الاستبداد الديني ، بمداليل الكتاب والسنة وأحكام الشريعة وسيرة النبي المطهر والإمام المكرم . . . وترانا عوضاً من أن نقول في حق الشوروية العمومية : هذه بضاعتنا ردّت إلينا ، نعدّها مخالفة للقانون الإسلامي ، فكأننا لم نقرأ تلك الآيات الواضحة الدلالة ولم نحصل على مفادها " . وفي مكان آخر : " أما اليوم وقد حصلنا بعد اللتيا والتي على شيء من التنبه والشعور ، قمنا نأخذ مقتضيات ديننا من الأجانب مع تمام الخجل قائلين هذه بضاعتنا ردت إلينا " « 1 » . هذه النصوص التي نجد نصوصاً أخرى كثيرة تتماثل معها ، وكلها تؤكد على شرعنة الديمقراطية الدستورية ، تشكل بداية التأسيس لخطاب إسلامي إصلاحي يحاول الإجابة الاستيعابية على التحدي الكبير الذي حمله الجانب الحضاري في توسع الغرب وحضوره وهيمنته ومساءلته الوعي العربي والإسلامي عن حالة الاستبداد وأسبابه وعلاجه . ويظل هذا الخطاب مرجعاً للتوسع والإغناء والشرح والتأليف عبر محطات وسيطة من الدعاة ، وعند عدد كبير من الفقهاء والمفكرين المعاصرين الذين يؤكدون على شرعية الحل الانتقائي والتوليفي لمسألة شرعية السلطة وبناء الحكم الصالح في البلدان العربية والإسلامية اليوم . ج - مدخل التعليم والتثقيف وبناء مؤسسات الخدمة الاجتماعية ، الذي ركّز عليه الشيخ محمد عبده ، ولا سيما بعد عودته إلى مصر من منفاه . وهذا المدخل الذي اعترض عليه البعض وانتقده البعض الآخر ، لأنه يهمل جانب السياسة والثورة في المواجهة مع الاستعمار ، هو مدخل أساسي في عملية المواجهة الحضارية التي وعاها وعاشها الشيخ عبده انطلاقاً من معاناة انحطاط الواقع الاجتماعي والثقافي ، ورهانه على تجاوزه بمسؤولية جريئة وإرادة قوية . وعلى الرغم من أن السياسيين الإنكليز قد أراحهم هذا التوجه كما يبدو من تقارير كرومر وكتاب بلنت ، إلّا أن مبررات محمد عبده في هذا الخيار وفي ظل درجة الانحطاط والجهل والجمود التي خيّمت على المجتمع المصري ، والإسلامي بشكل عام ، كانت تعطيه حجة قوية في تأجيل العمل السياسي " الثوري " الهادف إلى الاستقلال التام وسيادة الدولة الوطنية « 2 » . ولقد كان يرى أن الأولوية في الرد على التحدي الحضاري الغربي هي في نشر العلم وتحرير العقل وتفسير جديد عقلاني للقرآن ، وبالتالي في اجتهاد إسلامي معاصر يعمّ وينتشر ويسود . إنه نوع من التماثل مع منطق يقدّمه التاريخ الإيديولوجي للنهضة الأوروبية ، يقول بسيادة العلم والعقل فيها كمحرّك ومسبب . ولكن مأزقاً اعترض مآل هذا التوجه ونتائجه الموعودة ، نتج عن اصطدام مشروع الإصلاح بقوى اجتماعية - سياسية محلية مستفيدة من الأمر الواقع ، وبأنماط من العلاقات المتشابكة مع مراكز السلطة ، كانت تعيق الإصلاح وتحاربه . وكانت السياسة الإنكليزية توازن وتختار ما بين هذه القوى وفقاً لما تمليه مصالحها العليا . وعلى الرغم مما يحكى عن هذه العوائق ، فإن محمد عبده ترك في العالم الإسلامي ، ولا سيما في مصر ، مدرسة فكرية في التجديد والإصلاح كان لها الأثر الكبير في تطوير الأزهر وبناء قطاع فاعل من مؤسسات التعليم والخدمة الاجتماعية وفي إطلاق مبادرات فكرية نقرأ تجلياتها مع علي عبد الرازق وطه حسين . . . ولا شك أن لهذه المدرسة جذورها

--> ( 1 ) . حسين نائيني ، الاستبداد والديمقراطية " العرفان ، ج 5 ( كانون الأول ديسمبر 1930 ) . وهذا النص الوارد في العرفان مقتبس ومترجم عن حسين نائيني ، تنبيه الأمة وتنزيه الملة ( طهران 1909 ) . ( 2 ) . راجع توسيعاً لهذه الفرضية في كتابنا : " مختارات سياسية من مجلة المنار " .